أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
389
أنساب الأشراف
فلتأته . ترى جلساءه يتفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعين ، يوقّرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحوطون الغريب . قال ، قلت : فكيف كانت سيرته في جلسائه ؟ قال : كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا عيّاب ، ولا فحاش ، ولا مدّاح . يتغافل عما لا يشتهيه [ 1 ] ، ولا يؤيس منه ولا يجيب فيه . قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه . وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحدا ولا يعيره ، ولا يطلب عثرته ، ولا يتكلم إلا فيما رجى ثوابه . فإذا قال ، أطرق جلساؤه فكأنما على رؤوسهم الطير . وإذا سكت ، تكلموا ، لا ينازعون عنده أحدا : من تكلم أنصتوا حتى يفرغ من كلامه . حديثهم عنده حديث أوليتهم . يضحك مما يضحكون منه ، ويعجب مما يعجبون منه . ويصبر للغريب الجافي في منطقه ومسئلته . حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول : إن رأيتم طالب حق ، فارفدوه . ولا يقبل [ 2 ] الثناء إلا من المكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز ، فيقطعه بنهي أو قيام . قلت : فكيف كان سكوته ؟ قال : على أربع : الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكير . فأما تقديره ، ففي تسوية النظر بين الناس ، واستماعه منهم . وأما تفكيره ، ففيما يفنى ويبقى . وجمع الحلم والصبر ، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه . وجمع ثلاثا : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح ليتناهى عنه ، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته . وجمع لهم خير الدنيا والآخرة . صلى الله عليه وسلم . وحدثني عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن جده ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرّ الناس ، وأطلقهم وجها ، وأحسنهم خلقا ، يبدأ من لقيه بسلامه ، وإذا صافح رجلا لم يرسل يده حتى يتركها المصافح له .
--> [ 1 ] خ : تشتهيه . [ 2 ] خ : تقبل .